صبحي الصالح

146

مباحث في علوم القرآن

فقالوا : اسألوه عن الروح ، فسألوه فأنزل اللّه : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ » الآية « 1 » . هنا روايتان إحداهما عن البخاري فهي صحيحة ، والأخرى عن الترمذي وقد صححها أيضا ، إلّا أن صحيح البخاري يقدم لدى الجمهور على صحيح الترمذي ، فالرواية الأولى أرجح من هذا الوجه ، ثم إن ابن مسعود في هذه الرواية الراجحة قد حضر القصة وعاينها وما راء كمن سمع ، وهذا وجه ثان في ترجيحها ، بل هو الوجه الأقوى في الترجيح « 2 » . وإذا كنا نأخذ في بيان السببية بالرواية الأرجح الأصح ، مع أن ثمّة رواية أخرى صحيحة كذلك لكنها مرجوحة ، فمن الطبيعي بعد ذلك أن ما صحت فيه إحدى الروايتين دون الأخرى لم يعوّل فيه إلا على الصحيحة . مثال ذلك ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب قال : « اشتكى النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتته امرأة فقالت : يا محمد ، ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فأنزل اللّه : « وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ، ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى » « 3 » . وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة ، عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها ، كانت خادم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إنّ جروا دخل بيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فدخل تحت السرير ، فمات ، فمكث النبي صلى اللّه عليه وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي ، فقال : يا خولة ، ما حدث في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ جبريل لا يأتيني ! فقلت في نفسي : لو هيأت البيت وكنسته ، فأهويت بالمكنسة تحت السرير ، فأخرجت الجرو فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلم ترعد لحيته ، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة ، فأنزل اللّه : « وَالضُّحى » إلى قوله « فترضى » . ورائحة الوضع

--> ( 1 ) الاتقان 1 / 55 . ( 2 ) وفي هذا يقول السيوطي : « وقد رجح بأن ما رواه البخاري أصح من غيره ، وبأن ابن مسعود كان حاضر القصة » الاتقان 1 / 55 . ( 3 ) البخاري 6 / 182 .